الحلم والعفو سيدا الأخلاق

الحمد لله رب العالمين وبه أستعين ..وبعد ,

إخوة الإيمان , إن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق فقال صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) , والحلم والعفو سيدا الأخلاق والصفح من عزائم الأمور التي لا يقوى عليها إلا من امتلأ قلبه بالإيمان واليقين بل الصفح من خلق المرسلين المقربين , قد نوه الله به في كتابه بقوله : ( فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) وقال أيضا: ( فاعفو واصفحو حتى ياتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) وقال: (فاصفح الصفح الجميل ) الى غير ذلك من الأدلة ..

والحلم معناه: الأناة وضبط النفس لدى ثورة الغضب فهو ضد التسرع . والعفو معناه: المحو ويطلق على إسقاط الحق أما الصفح هو نسيان الإساءة وإزالة أثرها من القلب ولذا قال أهل العلم فالصفح أبلغ من الحلم والعفو وأعلى منهما درجة .

إخوة الإسلام , هذه هي أخلاق الإسلام التي بعث ص لإتمامها فقال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق

فعلى المسلمين ان يعلمو أن دين الإسلام دعا إلى التحلي بكل فضيلة والتخلي عن كل رذيلة ومن بين الفضائل التي دعا الإسلام إلى التحلي بها صفة الحلم والصفح والعفو وسَعة الصدر لدى ثورة الغضب وقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجا حيا في هذه الفضائل. والله  تعالى يقول : (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين،)[ سورة آل عمران: الآية 133 ـ 134]. ويقول تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبرو وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) وقال:( خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وقال (ولا ياتل اولو الفضل منكم والسعة ان يؤتوا اولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ، الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم) إلى غير ذالك من الأيات التي تحث المسلمين على خلق الصبر والعفو عند المقدرة والصفح الجميل عند الإساءة بهذا الخلق تسير الأمور وبمثل هذه السجايا الطيبة تتألف القلوب وتتصافى النفوس من كل الضغائن , ويكوَّنُ من أفراد الأمة كتلة قوية عظيمة متآزرة متعاطفة يهبها العدو , يقول تعالى عن صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) [ الفتح:29 ]. والناس في حياتهم يتفاوتون في مشاربهم فهم على أصناق ثلاثة أخص بالذكر هنا الصنف الثالث

وهم أهل الفضل الذين يتجاوزون العدل إلى الفضل لا يظلمون أحدا بل يعفون عمن ظلمهم ويصلون من قطعهم ويعطون من منعهم وحرمهم ولا يبخسون أحدا حقه بل يسمحون له ببعض حقوقهم إن نالهم أذى من غيرهم لم يقابلوه بأذى مثله يعفون عمن قدم الأذى لهم مع قدرتهم على أن ينتقمو لأنفسهم منهم. كل ذالك تكرما منهم وابتغاء مرضاة الله وطمعا فيما أعده الله للعافين عن الناس أي إيثارا منهم للخير وتركا للشر ورغبة في الثواب والأجر شعارهم في ذالك قوله ص : إن من مكارم الأخلاق أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ) والله يقول ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله) هذا الصنف من الناس أيها الإخوة المومنون كريم النفس طيب الخلق عالي المروءة يبث في مجتمعه ظلالا رفيعة من النور والخير والمعروف فهم في المجتمع كالمصباح ويكون هذا الصنف جدير بتكريم الله له يوم القيامة لأن الله مع من يغفر عند غضبه ويعفو ويصفح( فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال تعال( وإذا ما غضبو هم يغفرون ) بل قد جعل الله العفو والصفح والسماحة دليلا على صلاح النفس من الغيظ وسلامة السريرة من الحقد وإصلاح الجماعة من البغضاء قال تعالى ( ولمن صبر وغفر إن ذالك لمن عزم الامور) أي من جعل الصبر على الأذى إستعلاء على غضب النفس فهو من الأمور التي لا يقوى عليها ولا يقدر على تحملها إلا أولو الفضل من الناس وفي حديث الإسراء والمعراج ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لما أسري بي إلى سدرة المنتهى وأطلعني الله على الجنة والنار فرأيت قصورا مشرفة على أنهار الجنة فقلت يا أخي جبريل لمن هذه القصور ؟ فقال لأهل الفضل فقلت من هم أهل الفضل؟ قال: العافون عن الناس) وفي حديث أخر ( إذا كان يوم القيامة نادى منادي في الناس ليقم أهل الفضل ليقم الذين كان أجرهم على الله فلا يقوم إلا العافون عن الناس وهم قليل ) .

الخطبة الثانية

إخوة الإيمان, قلنا أن صفة الحلم والعفو والصفح من مكارم الأخلاق , ومن الصفات التي مدح الله بها المرسلين لما لها من أثر عظيم واضح في تبليغ رسالتهم ,هذا إبراهيم عليه السلام : ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب) , إبنه إسماعيل عليه السلام : (فبشرناه بغلام حليم) , يوسف عليه السلام  لما تعرف على إخوته وعرفوه قالو له : ( تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) , هذا نموذج من نماذج الحلم والعفو والصفح , فلم يوبخهم ! بل قال لهم لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين . وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم  : عفوه وصفحه لا يحصى من ذالك لما قتل عمه حمزة رضي الله عنه ومثل به وبقر المشركون بطنه وأخرجو كبده فرءاه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المنظر المؤلم مبقور البطن مهلهل الكبد مقطوع الأذن مجذوع الأنف فنظر إليه صلى الله عليه وسلم نظرة دامعة فقال ( يا عماه رحمك الله لقد كنت فعولا للخير وصولا للرحم سباقا إلى مكارم الأخلاق منفسا للكربات عن الناس أما والله لئن أظفرني الله بالمشركين لأمثلن بسبعين من ساداتهم ) فأنزل الله ( وإن عاقبتم فعاقبو بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين , واصبر. وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ان الله مع الذين اتقو والذين هم محسنون) فكفّر عن يمينه وكف عما أراده وقرأ على الحاضرين : (وإن عاقبتم - الى قوله تعالى – .. ان الله مع الذين اتقو والذين هم محسنون) فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أصبر) . لماذا إختار الرسول صلى الله عليه وسلم الصبر؟ . لأن الصبر والحلم والعفو طاعة لله ومخالفة للشيطان وزجر للنفس وإخماد للفتنة والله يقول( والفتنة أشد من القتل) وكيف لا يقول صلى الله عليه وسلم ذالك وقد قال له تعالى : ( واصبر وما صبرك الا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقو والذين هم محسنون ) وقال له (وإنك لعلى خلق عظيم) وقال له : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبرو على ما كذبو وأوذو حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين , تالله لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيا لما وسعه إلا أن يقول اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون , ولقد أوذي يوما فقال : رحم الله أخي موسى أوذي أكثر من هذا فصبر .

اللهم خلقنا بخلق رسولك محمد صلى الله عليه وسلم واحشرنا تحت لوائه واشملنا بشفاعته وارزقنا شربة من حوضه لا نضمأ بعدها أبدا والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقاً

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

إنشاء موقع أو مدونة مجانية على وردبرس.كوم. The Adventure Journal Theme.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: